علي الهجويري

281

كشف المحجوب

ومن ناحية أخرى فإن الحارث المحاسبي والجنيد وسهل بن عبد اللّه وأبا حفص الحداد وحمدون القصار وأبا محمد الجريري والحصري ومحمد ابن خفيف صاحب هذا الطريق وغيرهم يرون أن الحضور أفضل من الغيبة ويقولون إنه إذا كانت كل ألوان الجمال مرتبطة بالحضور ، وإذا كانت الغيبة عن النفس تؤدى إلى الحضور مع اللّه ، فلا داعى للتمسك بالوسيلة بعد أن تكون قد وصلت إلى الهدف ، إذن فكل من يتمسك بالغيبة يصل إلى الحضور فالغيبة بلا حضور جنون أو غلبة أو موت أو غفلة . وحين يوجد الوجود تسقط الغلبة . كما قيل : « ليس الغائب من غاب من البلاد ، وإنما الغائب من غاب عن المراد . وليس الحاضر من ليس له مراد ، وإنما الحاضر من ليس له فؤاد حتى استقر به المراد » . وقد قال أحد الشيوخ في هذا المعنى : من لم يكن بك فانيا عن نفسه * وعن الهوى بالأنس والأحباب فكأنه بين المراتب واقف * لمنال حظ أو لحسن مآب ومعروف أن أحد مريدى ذي النون ذهب لزيارة أبى يزيد وعندما وصل إلى صومعته وطرق بابه قال أبو يزيد : من أنت ومن تريد ؟ . فأجاب الطارق : أبا يزيد . فسأل أبو يزيد من هو أبو يزيد ؟ وأين هو ؟ ما ذا هو ؟ لقد كنت أبحث عن أبي يزيد لمدة طويلة ، ولكني لم أجده . وعندما رجع التلميذ إلى ذي النون ، وروى له ما حدث ، قال ذو النون : أخي أبو يزيد ذهب في الذاهبين إلى اللّه « 1 » . وجاء رجل إلى الجنيد وقال له : كن حاضرا معي هنيهة أتحدث إليك فأجابه الجنيد : « يا رجل أنت تطلب منى شيئا مكثت طويلا أبحث عنه ، لقد حاولت لسنين أن أحضر مع نفسي دقيقة دون أن أقدر على ذلك فكيف أكون حاضرا معك الآن ؟ . » ولهذا فإن « الغيبة » وحشة الحجاب ، أما الحضور فراحة الكشف ،

--> ( 1 ) الرسالة القشيرية ج 1 216 .